الهروب إلى

كتبهاعائشة شكري ، في 9 فبراير 2007 الساعة: 14:55 م

للهروب أسباب وأنواع·· وربما كان الهروب إلى الذات هو النوع الأصدق والأنقى· فليس أصدق من الذات في استقبالنا
***
اهرب، إذا كان في هروبك حياة جديدة لكبريائك، وكرامتك التي أُهدرت تحت مُسمَّيات الحب والحنين والغيرة، ومصطلحات أُخرى مزخرفة لا انتهاء لها·
اهرب، إذا شعرت بأنّ الحزن بدا ينسج خيوطه حول قلبك النقي ويخنق بقايا الفرح فيك، وبأنهم أصبحوا مصدراً عظيماً لهذا الحزن·
اهرب، إذا شعرت بأن إحساسك تجاههم غباءة، وخيالك بهم غباء، ولهفتك عليهم غباء لا يفوقه غباء، وبأنك بدأت تتحوّل مع الوقت إلى مُهرِّج مُضحك
اهرب، إذا شعرت بأن الطريق المؤدي إليهم بدأ يشعر بك، وبأن الأرض التي تقف عليها أمامهم بدأت تشعر بك، وبأن الجدران المحيطة بك معهم بدأت تشعر بك،  ومازالوا هم في طور اللاَّشعور بك·
اهرب، إذا شعرت بأن المنطق يرفض إحساسك، وبأن قيمك ترفض إحساسك، وبأن نقاءك يرفض إحساسك، وبأن إحساسك يرفض نفسه·
اهرب، إذا باءت محاولاتك للوصول إلى قلوبهم بالفشل، وباءت محاولاتك لتجاهلهم بالفشل، وباءت محاولاتك لنسيانهم بالفشل·
اهرب، إذا ضاق عليك الحلم، وضاق عليك الأمل، وضاق عليك النبض، وضاق عليك المكان، وضاعت ملامح الزمان في عينيك·
اهرب، إذا أكسبوك عادات الحزن، وفتحوا قابليتك للألم، ودربوك على الغبن والانكسار، وعلّموك البكاء بلا انتهاء·
اهرب، إذا شعرت بأنك فجرت ينابيع الغرور في داخلهم، وبأنك ضخّمتهم حد الانفجار، وتقزّمت أمامهم حدّ التلاشي، فأصبحوا أضخم من أن يروك أمامهم، وأصبحت أصغر من أن تراهم·
اهرب، إذا لاحظت أنك بدأت تتلوث كي تصل إليهم، وبدأت لا تُشبه نفسك كي ترضيهم، وبدأت ترقص فوق النار كي تبهرهم، وبدأت تخون كي تلفت انتباههم·
اهرب، إذا أصبح ليلك في بُعدهم ناراً عظيمة، وأصبح يومك معهم ناراً أعظم، وأصبحت تضاريس وقتك وسويعاته معاناة لا تنتهي·
اهرب، إذا اكتشفت أن شيئاً ما في داخلك بدأ يموت، وأن شيئاً ما فيك بدأ يذبل كالورد المقطوف، وأنك بدأت تنتهي كالسراب في آخر الطريق·
اهرب، إذا لاحظتهم يتلذذون بإذلالك، ويتعمدون نكرانك، ويقفزون فوق رفات حلمك الجميل بهم، وكأنهم أصدروا حكماً خفياً بإعدامك·
اهرب، إذا لمحت آثار البكاء عليهم فوق وسادتك، أو شعرت بسمّهم يسري في عروق قلبك، أو اكتشفت خنجرهم الغادر في ظهرك المطمئن  لهم·
اهرب، إذا سمعتهم يتهامسون بما ليس فيك، ويلصقون بك من التهم ما لا تعلم، ويقذفونك بالباطل، ويرمون براءتك بذنب الذئب·
اهرب، إذا أصبح إحساسك فانوساً مشتعلاً في عينيك، وأصبح صوتك المرتعش لا يعبِّر عنك، وأصبح صمتك المصطنع لا يسترك·
اهرب، إذا طال انتظارك فوق محطات صراعهم، ولمحت قطارات أيامك تفر أمامك كالجواد الغاضب، وشعرت بأن لا شيء بقي معك سوى ظلّك المنطفئ·
اهرب، إذا شعرت بأنهم بدأوا يُسيئون فهمك، ويمزقون تاريخك، ويشوهون عراقة إحساسك، ويُطفئون مصابيح طريقك إليهم·
اهرب، إذا شعرت بأن نفسك لا تستحق منك كل هذا الشقاء، وبأنهم لا يستحقون منك كل هذا الإحساس·

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مفضلتي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

8 تعليق على “الهروب إلى”

  1. شكر على هذه المدونة الرائعة

    تحياتي

    هل تريد ان تصلك رسائل مجانية

    الى بريدك

    اشترك في اقوى المجموعات البريدية

    قروب الرمال

    http://groups.yahoo.com/group/al_ramaal

    قروب الناس

    http://groups.yahoo.com/group/al_naaaaas

    قروب العاصفة

    http://groups.google.com/group/alasafaah99

    قروب المدينة

    http://groups.yahoo.com/group/al_madenaaaaaah/

  2. ما اجمل ان يدون الانسان حبات العرق التي انهمرت في معركة العطاء ….وهذا على ادراجك حول رسالة الماجستير .

    كل هذا الهرب لماذا …ربما تحاصرنا الظروف والاقدار …تتلاعب بنا ككرة قدم ….لكن لستمع ان نهرب …فالهرب ندم …حتى من الموت …..لا اعتقد انك تهربين من الامور التي تواجهينها …لكن اعتقد انها عملية لفلسفة…الهروب

    اهرب، إذا أصبح ليلك في بُعدهم ناراً عظيمة، وأصبح يومك معهم ناراً أعظم، وأصبحت تضاريس وقتك وسويعاته معاناة لا تنتهي·

    انه ليس هروب بل تراجع من اجل المواجهة مرة اخرى …برهة لاستجماع القوى ….هكذا ارى

  3. تعلم أن كلمتك من أجمل ما هنئت به.

    أصبت!!..

    فأنا فعلا لا أدين بفلسفة الهروب في الحياة بعامة

    ولكن عندما يكون على أن أناضل بكرامتي أو مشاعري فعندها وعندها فقط يمكن أن يكون الهروب انتصارا

  4. اختي الكريمة

    اهرب اذا بدأت تشعر بانك اصبحت تتلوث امامهم….هذا الهروب الحميد الذي من شأنة ان يبقيك ابيض والتشوه يكون بنقطة سوداء على ثوب ابيض والسواد لا ينقيه ولو صبغ بالبياض…سيدتي المس فيكي هذا الاحساس المرهف الذي قل ان يوجد الا فيمن يشعرون بمسؤوليتهم عن غيرهم …شكرا لزيارتك

  5. تلذذت كثيرا بقراءة هذا الموضوع واعدت قراءته اكثر من مرة

    شكرا لك عائشة

  6. “ربما كان الهروب إلى الذات هو النوع الأصدق والأنقى”

    لكن اذا كان الهرب من الذات فأين الملتجأ اي اين نذهب اذا هربنا من انفسنا..

    ضاقت بنا الدنيا حتى من انفسنا فاين نذهب

    هذا السؤال لكي يا عائشة اجيبيني….

    اين الهرب؟؟؟؟؟؟؟

    لكي احساس راقي وملهم كما عهدتك ياعائشة واتوقع منك اكثر واكثر

    لكي كل الشكر على كتاباتك الرائعة

  7. للأسف منقول من منتدى طريق الجنة وهو من تأليفي

  8. منقول؟ نعم! >> توقعت حينها أن أشهر من أعرّف بها..
    لكنها ليست من منتداك إطلاقا!! بل هي لكاتبة شواطئ شهرزاد في مجلة زهرة الخليج!!
    للتأكد يمكنك البحث في موقعهم



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر